الغزالي
106
إحياء علوم الدين
لم يعطه شيئا فأخذه على ذلك حرام ، وكذلك الصوفي ، ولهذا احترز المحتاطون عن الأكل بالدين ، فإن المبالغ في الاحتياط لدينه لا ينفك في باطنه عن عورات لو انكشفت المراغب في مواساته لفترت رغبته عن المواساة ، فلا جرم كانوا لا يشترون شيئا بأنفسهم مخافة أن يسامحوا لأجل دينهم ، فيكونوا قد أكلوا بالدين ، وكانوا يوكلون من يشترى لهم ويشترطون على الوكيل أن لا يظهر أنه لمن يشترى ، نعم : إنما يحل أخذ ما يعطى لأجل الدين إذا كان الآخذ بحيث لو علم المعطى من باطنه ما يعلمه الله تعالى لم يقتض ذلك فتورا في رأيه فيه ، والعاقل المنصف يعلم من نفسه أن ذلك ممتنع أو عزيز ، والمغرور الجاهل بنفسه أحرى بأن يكون جاهلا بأمر دينه فإن أقرب الأشياء إلى قالبه قلبه ، فإذا التبس عليه أمر قلبه فكيف ينكشف له غيره ، ومن عرف هذه الحقيقة لزمه لا محالة أن لا يأكل إلا من كسبه ليأمن من هذه الغائلة ، أو لا يأكل إلا من مال من يعلم قطعا أنه لو انكشف له عورات باطنه لم يمنعه ذلك عن مواساته ، فإن اضطر طالب الحلال ومريد طريق الآخرة إلى أخذ مال غيره ، فليصرح له وليقل إنك إن كنت تعطيني لما تعتقده في من الدين فلست مستحقا لذلك ، ولو كشف الله تعالى سترى لم ترني بعين التوقير ، بل اعتقدت أنى شر الخلق أو من شرارهم ، فإن أعطاه مع ذلك فليأخذ فإنه ربما يرضى منه هذه الخصلة وهو اعترافه على نفسه بركاكة الدين ، وعدم استحقاقه لما يأخذه ، ولكن هاهنا مكيدة للنفس بينة ، ومخادعة فليتفطن لها ، وهو أنه قد يقول ذلك مظهرا أنه متشبه بالصالحين في ذمهم نفوسهم واستحقارهم لها ، ونظرهم إليها بعين المقت والازدراء ، فتكون صورة الكلام صورة القدح والازدراء ، وباطنه وروحه هو عين المدح والإطراء ، فكم من ذام نفسه وهو لها مادح بعين ذمه ، فذم النفس في الخلوة مع النفس هو المحمود ، وأما الذم في الملإ فهو عين الرياء ، إلا إذا أورده إيرادا يحصل للمستمع يقينا بأنه مقترف للذنوب ، ومعترف بها ، وذلك مما يمكن تفهيمه بقرائن الأحوال ، ويمكن تلبيسه بقرائن الأحوال ، والصادق بينه وبين الله تعالى يعلم أن مخادعته لله عز وجل ، أو مخادعته لنفسه محال ، فلا يتعذر عليه الاحتراز عن أمثال ذلك ، فهذا هو القول في أقسام السفر ، ونية المسافر ، وفضيلته